عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
362
اللباب في علوم الكتاب
[ قال شهاب الدين « 1 » ] « 2 » : وكيف يؤيّده وليس شيء في اللّفظ يشهد له ؟ قوله : « وَما أَنْتَ » يجوز أن تكون « ما » الحجازية ؛ فيكون « أنت » : اسمها ، و « بوكيل » : خبرها في محلّ نصب ، ويجوز أن تكون التّميميّة ؛ فيكون « أنت » : مبتدأ و « بوكيل » : خبره في محلّ رفع ، والباء زائدة على كلا التّقديرين ، و « عليهم » : متعلّق بوكيل قدّم لما تقدّم فيما قبله ، وهذه الجملة هي في معنى الجملة قبلها ؛ لأن معنى ما أنت وكيل عليهم ، هو بمعنى : ما جعلناك حفيظا عليهم ، أي : رقيبا . واعلم أنه - تبارك وتعالى - لما بيّن أن لا قدرة لأحد على إزالة الكفر عنهم ، ختم الكلام بما يكمل معه تبصير الرّسول ؛ لأنّه لما بيّن له قدر ما جعل إليه ، فذكر أنّه ما جعله عليهم حفيظا ولا وكيلا ، وإنّما فوّض إليه البلاغ بالأمر ، والنّهي ، والبيان بذكر الدّلائل ، فإن انقادوا للقبول ، فنفعه عائد إليهم ، وإلا فضرره عائد إليهم . قال عطاء : وما جعلناك عليهم حفيظا : تمنعهم منّي ، أي : لم تبعث لتحفظ المشركين من العذاب ، إنما بعثت مبلّغا ، وما أنت عليهم بوكيل على سبيل المنع لهم . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 108 ] وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 ) اعلم أنّ متعلّق هذا بما قبله : أنّه لا يبعد أن بعض المسلمين كان إذا سمع قول المشركين للرّسول - عليه الصلاة والسلام - إنّما جمعت هذا القرآن من مدارسة النّاس ، غضب ، وشتم آلهتهم المعارضة ، فنهى اللّه - تعالى - عن ذلك ؛ لأنّك متى شتمت آلهتهم ، غضبوا ، فربّما ذكر اللّه - تبارك وتعالى - بما لا ينبغي ، فلذلك وجب الاحتراز عن ذلك المقال ، وهذا تنبيه على أنّ الخصم إذا شافه خصمه بجهل وسفاهة ، لم يجز لخصمه أن يشافهه بمثل ذلك ، فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والسّفاهة ، وذلك لا يليق بالعقلاء . فصل في المراد بالآية قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - لمّا نزل قوله : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : 98 ] قال المشركون : يا محمّد ، لتنتهينّ عن سب آلهتنا ، أو لنهجرنّ ربّك ؛ فنزلت هذه الآية « 3 » ، وههنا إشكالان . أحدهما : أن النّاس اتّفقوا على أن هذه السّورة نزلت دفعة واحدة ، فكيف يمكن أن يقال : سبب نزول هذه الآية الكريمة كذا .
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 153 . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 304 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 71 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس وينظر : الرازي 13 / 114 .